الدكتور داود الثامري من رموز الأطباء العراقيين المعاصرين

الدكتور داود الثامري
ولد الدكتور داود الثامري في في العمارة عام 1937 وأكمل الدراسة الابتدائية والثانوية في البصرة ليدخل الكلية الطبية الملكية ببغداد عام 1955 ويتخرج في الدورة التاسعة والعشرين عام 1961. وبعد أن أنهى خدمة الأحتياط في طبابة الجيش العراقي قضى سنة الإقامة وبعدها أستمر بالعمل في مستشفى الأطفال التعليمي حتى عام 1963 ليغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث أنهى الأقامة الدورية هناك وسافر الى بريطانيا وأنظم الى دراسة الدبلوم العالي في طب الأطفال وحصل على الدبلوم العالي من جامعة لندن عام 1964 وعمل بعد ذلك مقيم أقدم في طب الأطفال في مستشفى رايل في ويلز ولمدة سنة واحدة ويعود بعدها الى الولايات المتحدة ويلتحق بمستشفى طب الأطفال التابع لكلية طب هارفارد الشهيرة في بوسطن بولاية ماساجوستس ويحصل عام 1967 على شهادة البورد الأميركي بطب الأطفال. عاد الدكتور الثامري بعد ذلك الى البصرة وعمل أختصاصيا في المستشفى الجمهوري وأصبح مديرا للمستشفى وحتى عام 1972 و في ذلك العام حصل على زمالة الكلية الأميركية لطب الأطفال وفيه أيضا نقلت خدماته الى كلية طب البصرة وأصبح أول رئيس لأول فرع لطب الأطفال في العراق ولسنوات طويلة فيها وبعد عشر سنوات من إلتحاقه بالكلية وهي المدة الصغرى للوصول الى لقب الأستاذية وهو ما حصل عليه الدكتور الثامري في عام 1982 وكان بذلك أول من يحصل على ذلك اللقب من منتسبي الكلية من العراقيين. وفي عام 1986 نقلت خدماته من البصرة الى كلية الطب في بغداد ومستشفى الأطفال بمدينة الطب حيث أصبح رئيسا للقسم هناك ومن ثم تم نقلت خدماته الى كلية طب صدام (النهرين فيما بعد) ليتقاعد منها عام 2006 ويغادر العراق للعيش في نيوزيلندا مع ولده الدكتور مصطفى منذ ذلك الوقت.
وللدكتور الثامري إنجازات مهنية وجامعية كثيرة يصعب حصرها ونكتفي في هذا المقال بما حققه أثناء عمله في البصرة حيث كان طبيبَ الأطفال الأول الذي أدخل في البصرة المفاهيمَ الجديدة لطب الأطفال ومن خلال التركيز على الوقاية وكان من أشهر ما نشره من ممارسات في الأختصاص بين الأطباء وبين الناس هو معالجته للإسهال الذي كان واسعَ الأنتشار وقتها بالسوائل ودون أدوية أخرى وسبق بذلك توصيات منظمة الصحة العالمية حول الأرواء الفموي بسنوات طويلة وكان يوصي بشرب الكوكا كولا كعلاج للتيبس الناتج عن الأسهال وقاد الدكتور الثامري في نهاية الستينات حملات توعية صحية إعلامية واسعة حيث كان يظهر بصورة منتظمة على شاشة تلفزيون البصرة متحدثا الى الأمهات بلغة تلقائية مبسطة وغير متكلفة لم يسبق لهن سماعها من طبيب من قَبْل مما جعل الأمهات في البصرة وضواحيها بأختلاف ثقافاتهم ينتظمن بمجاميع لسماعه يرد على شكواهن ويعطيهن ما يحتجنه من نصائح علاجية. ومن منجزاته المهنية التي يُفتَخَر بها أنه كان له الدور الأساس في كليات الطب في تغيير مكانة طب الأطفال كتخصص مستقل عن الطب الباطني وأستطاع مع زملائه الدكتور نجم الرزنامجي والدكتور أبراهيم الناصر تأسيس أول فرع مستقل لطب الأطفال في كلية طب البصرة عام 1977 وكان الدكتور داود أول رئيس لذلك الفرع وادى ذلك لنأسيس فروع مشابهة في كل كليات الطب العراقية الأخرى وكذلك إجراء أمتحانات مادة طب الأطفال بصورة مستقلة لطلبة الصف السادس بعد أن كانت جزءاً ضمنياً من درجة مادة الطب الباطني. وكان الدكتور الثامري رئيسا لتحرير “المجلة الطبية لجامعة البصرة”ورئيساً للجنة تطوير التعليم الطبي في كلية طب البصرة ولابد له أن يفخر بأن فرع طب الأطفال بكلية طب البصرة كان أول من أستخدم في العراق عام 1978 الأمتحان السريري البنيوي الهادف المسمى بال: “أوسكي” وبمشاركة فعالة بين الدكتور الثامري وزميله الدكتور أحمد الخفاجي رئيس فرع طب المجتمع حيث كان الفرعان يتشاركان بأمتحانات طلبة الصف السادس في مادة طب الأطفال ولاتخلو اليوم كلية طب في العراق والعالم من إجراء ذلك النوع من الأمتحانات. كما يعد دور الدكتور الثامري الذي لعبه في تطوير وتوسيع الدراسات العليا في تخصص طب الأطفال في العراق وفي الوطن العربي من أكبر منجزاته حيث كان دوره بارزاً على مستوى الدول العربية في عملية تأسيس وتوسيع دراسة البورد العربي في وقت شغل منصب فيه أول رئيس للجنة العلمية في المجلس العربي ومركزه دمشق وتم التجديد له لثلاث دورات عن طريق أنتخابه من قبل الدول العربية الأعضاء بالمجلس وشارك كرئيس للجنة العلمية للتخصص في قيادة فرق التقييم التي زارت مستشفيات طب الأطفال في كافة الدول العربية المختلفة (بإستثناء سلطنة عمان وموريتانيا) ولغرض إعتمادها كمراكز تدريبية للدراسة وشارك كذلك بالأمتحانات بعد ذلك. وقد منحهُ المجلس العربي شهادة البورد الفخرية تثمينا لجهوده وحصل مع الدكتور حسن جابر على جائزة مجلس وزراء الصحة العرب تثمينا لدوره في تطوير طب الأطفال وساهم كذلك في وضع لبنات الدراسة في تخصص طب الأطفال وضوابطها عند تأسيس المجلس العراقي للتخصصات الطبية ودرَّس ودرَّب أعداداً لاتحصى من الأطباء طلبة الدبلوم والماجستير والبورد (الدكتوراه) في طب الأطفال والذين تبوؤا اليوم مراكز بارزة في تدريس وممارسة طب الأطفال في العراق وفي عدد كبير من الدول العربية.
وبعيداً عن العلم والخبرة فإن الدكتور الثامري يمتلك شخصية متميزة فهو واقعي وصريح وتلقائي ومحب وإنساني بمعنى الكلمة فعندما كان مديراً للمستشفى الجمهوري كان نشاطه مثيرا للأنتباه تراه أمامك أينما ذهبت في أروقة المستشفى وهو يتابع أعماله ميدانياً وكنا نلتقي به في دار الأطباء المقيمين يزورنا ومعه عدد من الأختصاصيين لنقضي وقتا معهم يتابعون عملنا ويلبون طلباتنا وكان لذلك دفعا وتشجيعا للعمل لايقدر بثمن.
ويتحدث طبيب مقيم عن الدكتور الثامري قائلا: “تدربت بإشرافه بالبصرة عام 1977 وكان طبيباً بارعاً وعالماً وانسانياً جداً وسوف لن اتحدث عن علمه وخبرته بل أقول في الجانب الانساني “أصبتُ بانفونزا شديدة وخسرتُ ذلك اليوم جولتَه الصباحية الممتعة وإذا بي وقد جاءني المعين ليخبري بان استاذي سيزورني فهرعت رغم ما ألمّ بي من مرض لترتيب غرفتي…..” ويذكره تلاميذه بالشكر والعرفان ويقول أحدهم بحقه: “الاب والمربي الفاضل ولاتزال كلماته ونصائحه والاسلوب الراقي في التدريس البعيد عن النمطية حيث تتسم محاضراته بالتشويق ولانزال نتذكرها ونطبقها منذ اربعين عاما ،أدامك الله رمزاً للمروءه والوفاء للمهنة وبرهاناً على المحبه والإباء”. ينهمك الدكتور داود الثامري حاليا في أوكلاند بوضع اللمسات الأخيرة على كتابين من تأليفه لدفعهم الى المطبعة لسد الفراغ في تأريخ الطب بالبصرة، والكتاب الأول عنونه بالتالي: “تجربتي في الطب وفي الحياة: حكايات قصيرة من الناس وإليها” والكتاب الثاني تحت عنوان “مايتوجب معرفته في طب الأطفال” والكتابان كتبا باللغة العربية. أطال الله في عمر الدكتور الثامري وأدام عليه الصحة والعافية فقد وصفه تلميذه وخريج طب البصرة (1978) الشاعر الدكتور ذر شاهر الشاوي قائلاُ فيه:
وفاءٌ في محبَّتِه يدومُ
بدا قمراً تحفُّ به النجومُ
